فخر الدين الرازي
7
تفسير الرازي
وجوه : أحدها : العطف على محل * ( أن النفس ) * لأن المعنى : وكتبنا عليهم فيها النفس بالنفس لأن معنى كتبنا قلنا ، وثانيها : أن الكتابة تقع على مثل هذه الجمل تقول : كتبت ( الحمد لله ) وقرأت ( سورة أنزلناها ) وثالثها : أنها ترتفع على الاستئناف ، وتقديره : أن النفس مقتولة بالنفس والعين مفقوءة بالعين ، ونظيره قوله تعالى في هذه السورة * ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ) * ( البقرة : 62 ) وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بنصف الكل سوى * ( الجروح ) * فإنه بالرفع ، فالعين والأنف والأذن نصب عطفاً على النفس ، ثم * ( الجروح ) * مبتدأ ، و * ( قصاص ) * خبره ، وقرأ نافع وعاصم وحمزة كلها بالنصب عطفاً لبعض ذلك على بعض ، وخبر الجميع قصاص ، وقرأ نافع * ( الأذن ) * بسكون الذال حيث وقع ، والباقون بالضم مثقلة ، وهما لغتان . المسألة الثانية : قال ابن عباس : يريد وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس ، يريد من قتل نفساً بغير قود قيد منه ، ولم يجعل الله له دية في نفس ولا جرح ، إنما هو العفو أو القصاص . وعن ابن عباس : كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت هذه الآية ، وأما الأطراف فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة ، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضاً في الأطراف ، ولما ذكر الله تعالى بعض الأعضاء عمم الحكم في كلها فقال * ( والجروح قصاص ) * وهو كل ما يمكن أن يقتص منه ، مثل الشفتين والذكر والأنثيين والأنف والقدمين واليدين وغيرها ، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رض في لحم ، أو كسر في عظم ، أو جراحة في بطن يخاف منه التلف ففيه أرش وحكومة . واعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا كان شرعاً في التوراة ، فمن قال : شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ بالتفصيل قال : هذه الآية حجة في شرعنا ، ومن أنكر ذلك قال : إنها ليست بحجة علينا . المسألة الثالثة : * ( قصاص ) * هاهنا مصدر يراد به المفعول ، أي والجروح متقاصة بعضها ببعض . ثم قال تعالى : * ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) * الضمير في قوله * ( له ) * يحتمل أن يكون عائداً إلى العافي أو إلى المعفو عنه ، أما الأول فالتقدير أن المجروح أو ولي المقتول إذا عفا كان ذلك كفارة له ، أي للعافي ويتأكد هذا بقوله تعالى في آية القصاص 3 في سورة البقرة * ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) * ( البقرة : 237 )